حاجي محمد بيك خان
49
رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا
« فالس بي » مسيرة يوم واحد . وإذ كان في الطريق المذكور فنادق كان من الأمر السار أن يستطيع الإنسان التغدّي والتعشي في الساعات الّتي يريدها . وكان اللّيل قد أرخى سدوله حين دخلنا مدينة الكاب ولكني كنت قد أحكمت أمري باحتجازي مثوى لي في فندق المستر « كلارك » فذهبت إليه قاصدا حين وصولي . إنّ مدينة الكاب تحف بها جبال ، وعدّة دور منها قائمة على مقربة قريبة من رأس التابل ( أي جبل المائدة ) بحيث يخشى الأجنبي في كل لحظة أن يراها مدمّرة بسقوط الجبل عليها ، والجبال المذكورة آنفا تغطيها أعشاب طيبة الروائح وأزهار كثيفة وهي للأنعام مراع جيدة ، ويرى الإنسان هناك منابع ماء غزيرة عذبة ، لا تقتصر فائدتها على استعمال السكان بل تستعمل لإدارة عدّة أرحاء ولنضح الأرضين . إنّ سكان الكاب يذهبون غالبا إلى قمة جبل « التابل » للهو عليها وهو موارب في عدّة مواضع فلا يستطيع الإنسان تسلقه بغير حبل ومع هذا فالنّساء « 1 » الهولنديات قد تعودن كثيرا أن يتخطين المهاوي حتّى ليصحبن أزواجهن دائما في هذا النوع من التنزهات . وفي الجانب الآخر من المدينة يرى الإنسان « بي دي لاتابل » وفيه عدّة مضارب مدفعية مهمة ، ومنها مضارب قليلة من جهة الساحل ، وهذا يعني أنّ مدينة الكاب محصنة تحصينا جيدا ، حتّى أنّ الإنكليز لما هجموا عليها ، قبل أن يستولوا عليها ، اضطروا أن يذهبوا أوّلا إلى « فالس بي » وهناك نزلوا إلى البر ، وبعد أن اجتازوا الجبال ، بصعوبة بالغة هجموا على مدينة الكاب من الجانب الأرضي ، وهكذا أجبروا الهولنديين على الاستسلام . دور « 2 » مدينة الكاب زهاء عشرة أميال ، والدّور أكثرها مبنية بالآجر ، ومنها قليل مبني بالحجارة ، وطرقها الواسعة المتصافّة تصافا حسنا لها رصف « 3 » مبلطة بحجارة صغار أو الطاباق العريض ولها مثعب « 4 » أو مثعبان ،
--> ( 1 ) سيرى القارئ أنّ الرحالة لا ينفك بذكر النّساء بأدنى سبب كما ذكرنا قبلا . ( 2 ) الدور عند القدامى هو « المحيط » عند العصريين . ( 3 ) الرصف جمع كثرة الرصيف . ( 4 ) المثعب هو مجرى الماء المستقذر في المدينة ويسمّيه العصريون « المجرى والمجاري » وهو